سيد محمد طنطاوي
71
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم فصل - سبحانه - بعض مظاهر خلقه التي تدل على أنه هو مالك الملك على الحقيقة فقال - تعالى - * ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) * . أي أنت وحدك الذي تعطى الملك من تشاء إعطاءه من عبادك ، وتنزعه ممن تشاء ، نزعه منهم ، فأنت المتصرف في شؤون خلقك لا راد لقضائك ولا معقب لحكمك . وعبر بالإيتاء الذي هو مجرد الإعطاء دون التمليك المؤذن بثبوت المالكية ، للتنبيه على أن المالكية على الحقيقة إنما هي مختصة باللَّه رب العالمين ، أما ما يعطيه لغيره من ملك فهو عارية مستردة ، وهو شيء زائل لا يدوم . والتعبير عن إزالة الملك بقوله * ( وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) * يشعر بأنه - سبحانه - في قدرته أن يسلب هذا العطاء من أي مخلوق مهما بلغت سعة ملكه ، ومهما اشتدت قوته ، وذلك لأن لفظ النزع يدل على أن المنزوع منه الشيء كان متمسكا به ، فسلبه اللَّه منه بمقتضى قدرته وحكمته . والمراد بالملك هنا السلطان ، وقيل النبوة ، وقيل غير ذلك . قال الفخر الرازي : وقوله * ( تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ) * محمول على جميع أنواع الملك فيدخل فيه ملك النبوة ، وملك العقل ، والصحة ، والأخلاق الحسنة . وملك النفاذ والقدرة ، وملك المحبة ، وملك الأموال ، وذلك لأن اللفظ عام فالتخصيص من غير دليل لا يجوز » « 1 » . ومفعول المشيئة في الجملتين محذوف أي : تؤتى الملك من تشاء إيتاءه وتنزعه ممن تشاء نزعه منه . أما الأمر الثاني الذي يدل على أنه - سبحانه - هو مالك الملك على الحقيقة فهو قوله * ( وتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) * . العزة - كما يقول الراغب - حالة مانعة للإنسان من أن يغلب ، من قولهم : أرض عزاز : أي صلبة ، وتعزز اللحم : اشتد وعز ، كأنه حصل في عزاز يصعب الوصول إليه . . والعزيز الذي يقهر ولا يغلب . وتذل ، من الذل ، وهو ما كان عن قهر ، يقال : ذل يذل ذلا إذا قهر وغلب « 2 » والعزة صفة نفسية يحس بها المؤمن الصادق في إيمانه ، لأنه يشعر دائما بأنه عبد اللَّه وحده وليس عبدا لأحد سواه ، قال - تعالى - ولِلَّه الْعِزَّةُ ولِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِينَ فالمؤمنون الصادقون أعزاء ولو كانوا في المال والجاه فقراء . أما الكافرون فهم أذلاء ، لأنهم خضعوا لغير اللَّه الواحد القهار .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 7 طبعة عبد الرّحمن محمد . ( 2 ) مفردات القرآن الراغب الأصفهاني ص 181 ، 333 .